فخر الدين الرازي
84
تفسير الرازي
سورة العصر ثلاث آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( وَالْعَصْرِ ) * . * ( والعصر ) * اعلم أنهم ذكروا في تفسير العصر أقوالاً . الأول : أنه الدهر ، واحتج هذا القائل بوجوه أحدها : ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقسم بالدهر ، وكان عليه السلام يقرأ : والعصر ونوائب الدهر إلا أنا نقول : هذا مفسد للصلاة ، فلا نقول : إنه قرأه قرآناً بل تفسيراً ، ولعله تعالى لم يذكر الدهل لعلمه بأن الملحد مولع بذكره وتعظيمه ومن ذلك ذكره في : * ( هل أتى ) * رداً على فساد قولهم : بالطبع والدهر وثانيها : أن الدهر مشتمل على الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء ، والصحة والسقم ، والغنى والفقر ، بل فيه ما هو أعجب من كل عجب ، وهو أن العقل لا يقوى على أن يحكم عليه بالعدم ، فإنه مجزأ مقسم بالسنة ، والشهر ، واليوم ، والساعة ، ومحكوم عليه بالزيادة والنقصان والمطابقة ، وكونه ماضياً ومستقبلاً ، فكيف يكون معدوماً ؟ ولا يمكنه أن يحكم عليه بالوجود لأن الحاضر غير قابل للقسمة والماضي والمستقبل معدومان ، فكيف يمكن الحكم عليه بالوجود ؟ وثالثها : أن بقية عمر المرء لا قيمة له ، فلو ضيعت ألف سنة ، ثم تبث في اللمحة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة ، فكأن الدهر والزمان من جملة أصول النعم ، فلذلك أقسم به ونبه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها المكلف ، وإليه الإشارة بقوله : * ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً ) * ورابعها : وهو أن قوله تعالى في سورة الأنعام : * ( قل لمن ما في السماوات والأرض ؟ قل الله ) * إشارة إلى المكان والمكانيات ، ثم قال : * ( وله ما سكن في الليل والنهار ) * وهو إشارة إلى الزمان والزمانيات ، وقد بينا هناك أن الزمان أعلم وأشرف من المكان ، فلما كان كذلك كان القسم بالعصر قسماً بأشرف النصفين من ملك الله وملكوته وخامسها : أنهم كانوا يضيفون الخسران إلى نوائب الدهر ، فكأنه تعالى أقسم على أن الدهر والعصر نعمة حاصلة لا عيب فيها ، إنما الخاسر المعيب هو الإنسان وسادسها : أنه تعالى ذكر العصر الذي بمضيه ينتقص عمرك ، فإذا لم يكن في مقابلته